لم اكن اعلم ان الغربة ستسرق مني قلبي
لم أكن أتخيل يوماً أن قراراً واحداً سيغير حياتي كلها.
كنتُ فتاة بسيطة من مدينة صغيرة، أحلم كأي فتاة بحياة مستقرة، ببيت صغير، وزوج يحبني، وأطفال يملؤون البيت ضجيجاً.
جاءت فرصة للعمل في مدينة كبيرة، في باريس. قال لي أبي: "يا ابنتي، هذه فرصة لا تعوض، اذهبي وحققي أحلامك".
حزمتُ حقائبي، وودعتُ أمي وهي تبكي، وودعتُ أصدقائي، وسافرتُ وأنا أحمل في قلبي أحلاماً كبيرة.
في باريس، كل شيء كان مختلفاً. الشوارع واسعة، الناس يمشون بسرعة، لا أحد ينظر إلى أحد. شعرتُ بالوحدة في أول الأمر، وحدة قاتلة، كنتُ أبكي كل ليلة وأنا أتذكر بيتنا الصغير ورائحة خبز أمي.
حتى جاء اليوم الذي دخلتُ فيه إلى مكتبة صغيرة في شارع جانبي، لأشتري كتاباً يخفف عني غربتي.
وهناك رأيته.
كان شاباً عربياً، مثلي، غريب في هذه المدينة الكبيرة. كان يقرأ كتاباً باللغة العربية، وهذا ما لفت انتباهي، فمن النادر أن تجد أحداً يقرأ العربية هنا.
ابتسمتُ له وقلتُ: "أول مرة أرى أحداً يقرأ العربية في باريس".
ضحك وقال: "وأنا أول مرة أرى فتاة مغربية تقرأ نزار قباني في باريس".
ومن هنا بدأت قصتنا.
أصبحنا نلتقي كل يوم في نفس المكتبة. نتحدث عن المغرب، عن الغربة، عن الحنين، عن كل شيء. كان يشبهني كثيراً، يشعر بنفس الوحدة التي أشعر بها، ويحمل نفس الحنين.
قال لي ذات مساء ونحن نمشي تحت المطر في شوارع باريس: "أتعلمين؟ منذ أن جئتِ، لم أعد أشعر أنني غريب هنا. أنتِ أصبحتِ وطني".
بكيتُ من كلامه. لم يقل لي أحد كلاماً جميلاً كهذا من قبل.
أحببته. أحببته لأنه فهمني، لأنه كان سندي في غربتي، لأنه كان يمسح دموعي كلما بكيتُ شوقاً لأهلي.
مرت سنة، وكانت من أجمل سنوات عمري. كنا نحلم معاً أن نعود إلى المغرب، أن نبني بيتاً هناك، أن نتزوج ونعيش حياة بسيطة بعيداً عن صخب باريس.
حتى جاء ذلك اليوم.
اتصلت به كعادتي، لم يرد. اتصلتُ مرة أخرى، كان هاتفه مغلقاً. ذهبتُ إلى المكتبة، لم يكن هناك. سألتُ صاحب المكتبة عنه، قال لي: "سافر، عاد إلى بلده منذ ثلاثة أيام، قال إن خطبته الأسبوع القادم".
شعرتُ أن الأرض تدور بي. خطبته؟ أي خطبة؟ وهو الذي كان يقول لي أنني وطنه؟
عدتُ إلى شقتي الصغيرة، وجلستُ على الأرض، وبكيتُ حتى لم يعد لدي دموع.
في المساء، وصلتني منه رسالة قصيرة: "سامحيني يا عواطف، أهلي خطبوا لي ابنة عمي منذ صغري، ولا أستطيع أن أقول لا. أنتِ تستحقين أفضل مني. انسيني".
انسيني؟ كيف أنسى من كان وطني في الغربة؟ كيف أنسى من علمني كيف أحب؟
بكيتُ كثيراً، ثم مسحتُ دموعي، ونظرتُ من نافذتي إلى برج إيفل يضيء في البعيد، وقلتُ لنفسي: "الغربة لم تسرق مني قلبي فقط، بل علمتني أن أكون قوية وحدي".
اليوم، بعد سنتين، أنا ما زلتُ في باريس، لكنني لم أعد تلك الفتاة الضعيفة. أصبحتُ أعمل، وأكتب، وأحقق أحلامي وحدي. وتعلمتُ أن الحب الحقيقي لا يأتي ممن يشبه وجعك، بل ممن يداوي وجعك ويبقى.
وأنتِ يا من تقرئين قصتي، إذا كنتِ في الغربة، لا تجعلين غربتك سبباً لتتعلقي بأي أحد، كوني وطناً لنفسك أولا
؟؟هل تعرضتم للخيانة باسم الظروف

تعليقات
إرسال تعليق